الخميس، 20 فبراير 2014

مصر مش تونس


تبدي الثورتان تشابها كبيرا فيما وصلتا إليه بعد سنوات ثلاث من الربيع الملئ بالزوابع والأعاصير .. مع بعض الاختلاف الذي تفرضه طبيعة الشعبين وحجم الدولتين وتركيبتهما السياسية والديموجرافية وتركز القوى المؤثرة في الأحداث والقرارات
دستور أنجزته مصر في 60 يوما – "بعد صَدْ ورَدْ واوجاع مخاض" كما قال العبقري صلاح جاهين في رباعياته الخالدة -  وآخر انتهت منه تونس في 600 يوم .. عدد صفحات كل منهما للمصادفة العجيبة 64 صفحة بالتمام والكمال .. ويكادان يتطابقان في معظم موادهما كالمتعلقة بالحقوق والحريات الأساسية والمساواة بين المواطنين وحقوق المرأة وحق تكوين النقابات المستقلة وحق الحصول على المعلومات وحرية التنقل وحرية ممارسة الشعائر التي قصرتها مصر على الأديان السماوية بينما تركتها تونس دون أي قيود .. وكذلك حرية الفكر والإبداع والبحث العلمي وحرية الاجتماع والتظاهر والإضراب وتكوين الأحزاب والحق في العلاج والتعليم والثقافة والرياضة وحقوق ذوي الإعاقة وغيرها ..
ورغم اختلاف الصياغة بين الفخامة والمسحة الأدبية في الدستور المصري والبساطة والدقة في الدستور التونسي إلا أن التشابه المذهل في المحتوى يعكس شوقا جارفا من الشعبين الشقيقين - الذين يجمعهما في المقام الأول عشق سيدة الغناء – إلى حياة كريمة للأجيال القادمة حُرِم منها جيلان كاملان تحت تسلط حثالة كانت تقبض على زمام الأمور في البلدين وتحجب عن جماهير الشعب الكادحة أي بصيص من النور والأمل
وعى التونسيون الدرس جيدا عندما بدأ شبح الموت يحوم في سماء البلاد وبعد أن حصد أرواح اثنين من سياسيي المعارضة وهدد بالمزيد .. ومع تصاعد موجات الاحتجاج والإضراب وظهور شبح الحرب الأهلية في الأفق المنظور .. أفاق الحكام الجدد المنتمون للتيار الإسلامي من نشوة السلطة وسكرتها وتنازلوا طواعية عن الحكم وتركوا المسرح لحكومة تكنوقراط مستقلة برئاسة السيد مهدي جمعة لتدير المشهد حتى الانتخابات النيابية المقبلة في خطوة ذكية شجاعة رفعت من شعبيتهم في استطلاعات الرأي الأخيرة وحافظت على وجودهم في المشهد السياسي في تونس
ولا شك أن لسياسيي حزب النهضة التونسي الإسلامي عينٌ لا تتوقف عن الالتفات ناحية الشرق لمراقبة تطورات الثورة الشقيقة في مصر .. ولا شك أنهم نجحوا في تجنيب تونس الصراع الدموي الذي سقطت فيه مصر وفي حماية أنفسهم من المصير الذي آلت إليه جماعة الإخوان المسلمين في مصر .. وقد جاء هذا التنازل ليفسر تصريحا لراشد الغنوشي عقب ثورة 30 يونيو في مصر مستبعدا قيام الجيش بانقلاب ضد السلطة الموجودة في تونس وأضاف: "الجيش في تونس جمهوري وليس له تاريخ سياسي، والصراع هناك مدني خالص ونحن (أي الإسلاميين) لا نُغلب في الصراعات المدنية". كان الرجل يعني بدقة ما يقول .. فقد انسحب بجنوده من السلطة في الوقت المناسب ليسجل موقفا منتصرا مشرفا إلى حد بعيد قبل أن يُجْبَر على الانسحاب ليس تحت ضغط الجيش ولكن تحت ضغط الاتحاد العام للشغل (اتحاد نقابات العمال) الذي أصدر بيانا في 22 سبتمبر من العام الماضي هدد فيه بالنزول بأنصاره البالغ عددهم قرابة ال 800 ألف عضو إلى الشارع إذا لم تستقل حكومة النهضة وترك كل الخيارات مفتوحة بما فيها إضراب عام يشل البلاد تماما
وإذا عدنا مرة أخرى لمظاهر الاتفاق لوجدنا اقتصاداتٍ مدمرة .. ومشكلاتٍ موروثة عصية على الحل .. وحكوماتٍ متخبطة لا تعرف من أين تبدأ .. وفئاتٍ تُضرِب وتتظاهر مطالبة بحقوقها .. وأسعاراً مُسْتَعِرَة .. وخدمات متدنية .. وصراعاتٍ فكرية بين اتجاهات مختلفة لاتزال تحبو في طريقها للتعايش وتفهم الآخر وتقبله .. وجيلاً من الشباب خلع عن قلبه الخوف والاستكانة يواجه جيلاً يرضى بالاستقرار حتى ولو في قاع التاريخ
يتجه أبناء الأزهر وأبناء الزيتونة .. أحفاد الشابي وأحفاد شوقي .. إلى اختيار مؤسساتهم الدستورية في ظل القواعد التي رسموها في دستورهم .. يشارك الإسلاميون بقوة في تونس ويبتعدون أو يُبْعدون عن المشاركة في مصر .. يتحد التونسيون ويتفرق المصريون ..

مفترق طرق آخر في مسيرة الشعبين يصعب رؤية ما تخفيه شعابه ومسالكه .. إلا أن حقيقة مؤكدة بازغة كالشمس لاجدال فيها تقول أنه من المستحيل أن تحكم شعبا منقسما .. وأنك لو أردت صادقا أن تبدأ طريق التنمية فلا مفر لك من أن تجمع شعبك مرة أخرى مهما كان الثمن ومهما بدا ذلك بعيد المنال .. وإلا فسنظل عقوداً أخرى نحرث في البحر

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق