أثناء تأديتنا للخدمة العسكرية وأثناء فترة
التدريب الأولي كان هناك مبدأ شهير يتم تطبيقه علينا بالتزام شديد وكنا ومازلنا
نراه ظالما ولم نفهم له يوما هدفا ولا مغزى. هذا المبدأ هو. "الحسنة تخُص
والسيئة تعُم"
فكنا إذا أخطأ أحد أفراد السرية كأنْ تأخر في
الاستيقاظ مثلاً أو تقاعس في تنفيذ أمر ما ، عوقبت السرِيّة بأكملها وقوامها أكثر
من 80 فردا بما يسمى "طابور الثبات" فكنا نقف جميعا لمدة ساعتين كاملتين
دون أن يُسمح لأحدنا بتحريك إصبعه وإلا امتدت الساعتان لتصبحا ثلاثة أو أربعة.
إن ما يحدث اليوم في مصر لا يحيد عن هذا
المبدأ الغبي كثيراً
يقترف المجلس العسكري أخطاءه الفادحة فيصب
المصريون جام غضبهم على كل من يرتدي البذلة العسكرية دون تمييز أو تفريق فيسير
إخوتنا من ضباط الجيش مطأطئي الرأس خجلا من انتمائهم للمؤسسة العسكرية ولما
يلاقونه من اخوتهم من نظرات قاسية وتلميحات جائرة.
توحَّشت الشرطة وتغوَّلت لعقود طويلة ثم
هُزمت هزيمة نكراء وكُسرت شوكتها في أيام الثورة المباركة التي مازالت جذوتها
مشتعلة متوقدة تطهر الجسد المصري الطاهر من العِلل وتكوي الجروح لتشفيها. فبأي حجة
وفي أي شرع ينصُب المصريون المشانق لكل من ينتمي لمؤسسة الشرطة ويضعونهم كلهم في
سلَّة واحدة حتى أنهم تناسوا فجأة الأهمية القصوى لوظيفة ضابط الشرطة في حفظ أمنهم
وسلامتهم وأصروا على التمادي في إذلال ضابط الشرطة أثناء تأدية عمله وعدم
الاستجابة له بل وسبِّه في بعض الأحيان انتقاماً من جهاز الشرطة بأكمله في شخص
الضابط المسكين؟
يرتكب أشهر رجال الأعمال المصريين خطأً تافها
يستفز به مشاعر المصريين ويستثير غيرتهم على دينهم فيشهرون سيوفهم لا في وجهه وحده
بل في وجه الآلاف من المصريين المسلمين ممن يعملون في شركاته فتنتشر دعاوى
المقاطعة لمنتجاته ويروح ضحيتها أبرياء يعانون من الآثار السلبية لهجرة العملاء
إلى الشركات الأخرى.
يشاء القدر أن تكون مدينتي بورسعيد مسرحا
لأبشع جريمة شهدتها مصر عقب مباراة لكرة القدم يروح ضحيتها العشرات من أنبل وأشرف
من أنجبت مصر من الشباب ممن أسهموا بدور حاسم في إنجاح الثورة بوطنيتهم المفرطة
وتنظيمهم المبهر. وكالعادة ينصب المصريون أنفسهم قضاة ويصدرون حكمهم الفوري بإدانة
شعب بورسعيد بأكمله ويشرعون في تنفيذه بعزم نادر ودون تردد فيتعقبون السيارات ذات
اللوحات المعدنية البورسعيدية في كافة مدن الجمهورية لتكسيرها ويهاجمون الشاحنات
للسطو عليها ويمنعون ارسال المواد الغذائية من المدن المجاورة فضلا عن تزايد حوادث
السطو المسلح وترويع الآمنين من أبناء المدينة ممن لا ناقة لهم فيما حدث ولا جمل .
بل إن أهل بورسعيد أنفسهم مارسوا الظلم
بدورهم بصورة أقل ما يقال عنها أنها همجية بربرية عندما هاجموا محلات
"العروسة" الشهيرة التي هي من علامات المدينة منذ ما يقرب من 40 عاما
لمجرد أن البلطجي الذي قبضوا عليه ذكر اسم صاحبها وادعى ربما تحت تأثير المخدر
والضغط انه موّل البلطجية من القرية المجاورة لتدبير حادث استاد بورسعيد. أعماهم
الغضب كما هو الحال دائما وتناسوا أنهم بذلك قضوا على مصدر الرزق لأكثر من 35 أسرة
لا علاقة لهم بما حدث في بورسعيد من قريب أو بعيد.
ما هذا السفه؟
ما هذا الفجور؟
من منحنا هذه السلطات المطلقة؟
ما هذه القدرة على التحول في دقائق من ضحايا
إلى قضاة ثم جناة ثم جلادين؟
من الذي هدانا إلى هذا الأسلوب الممنهج في
ممارسة الظلم ثم ننام في بيوتنا قريري الأعين بعد أن شفينا غليلنا من إخوتنا
وأهلنا الذين لم يرتكبوا في حقنا إثما أو جريرة؟
لماذا يعمينا الغضب عن الحق؟
أليس منا من رجل رشيد؟
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق