الجمعة، 31 يناير 2014

طابور ثبات



أثناء تأديتنا للخدمة العسكرية وأثناء فترة التدريب الأولي كان هناك مبدأ شهير يتم تطبيقه علينا بالتزام شديد وكنا ومازلنا نراه ظالما ولم نفهم له يوما هدفا ولا مغزى. هذا المبدأ هو. "الحسنة تخُص والسيئة تعُم"
فكنا إذا أخطأ أحد أفراد السرية كأنْ تأخر في الاستيقاظ مثلاً أو تقاعس في تنفيذ أمر ما ، عوقبت السرِيّة بأكملها وقوامها أكثر من  80 فردا بما يسمى "طابور الثبات" فكنا نقف جميعا لمدة ساعتين كاملتين دون أن يُسمح لأحدنا بتحريك إصبعه وإلا امتدت الساعتان لتصبحا ثلاثة أو أربعة.

إن ما يحدث اليوم في مصر لا يحيد عن هذا المبدأ الغبي كثيراً

يقترف المجلس العسكري أخطاءه الفادحة فيصب المصريون جام غضبهم على كل من يرتدي البذلة العسكرية دون تمييز أو تفريق فيسير إخوتنا من ضباط الجيش مطأطئي الرأس خجلا من انتمائهم للمؤسسة العسكرية ولما يلاقونه من اخوتهم من نظرات قاسية وتلميحات جائرة.

توحَّشت الشرطة وتغوَّلت لعقود طويلة ثم هُزمت هزيمة نكراء وكُسرت شوكتها في أيام الثورة المباركة التي مازالت جذوتها مشتعلة متوقدة تطهر الجسد المصري الطاهر من العِلل وتكوي الجروح لتشفيها. فبأي حجة وفي أي شرع ينصُب المصريون المشانق لكل من ينتمي لمؤسسة الشرطة ويضعونهم كلهم في سلَّة واحدة حتى أنهم تناسوا فجأة الأهمية القصوى لوظيفة ضابط الشرطة في حفظ أمنهم وسلامتهم وأصروا على التمادي في إذلال ضابط الشرطة أثناء تأدية عمله وعدم الاستجابة له بل وسبِّه في بعض الأحيان انتقاماً من جهاز الشرطة بأكمله في شخص الضابط المسكين؟

يرتكب أشهر رجال الأعمال المصريين خطأً تافها يستفز به مشاعر المصريين ويستثير غيرتهم على دينهم فيشهرون سيوفهم لا في وجهه وحده بل في وجه الآلاف من المصريين المسلمين ممن يعملون في شركاته فتنتشر دعاوى المقاطعة لمنتجاته ويروح ضحيتها أبرياء يعانون من الآثار السلبية لهجرة العملاء إلى الشركات الأخرى.

يشاء القدر أن تكون مدينتي بورسعيد مسرحا لأبشع جريمة شهدتها مصر عقب مباراة لكرة القدم يروح ضحيتها العشرات من أنبل وأشرف من أنجبت مصر من الشباب ممن أسهموا بدور حاسم في إنجاح الثورة بوطنيتهم المفرطة وتنظيمهم المبهر. وكالعادة ينصب المصريون أنفسهم قضاة ويصدرون حكمهم الفوري بإدانة شعب بورسعيد بأكمله ويشرعون في تنفيذه بعزم نادر ودون تردد فيتعقبون السيارات ذات اللوحات المعدنية البورسعيدية في كافة مدن الجمهورية لتكسيرها ويهاجمون الشاحنات للسطو عليها ويمنعون ارسال المواد الغذائية من المدن المجاورة فضلا عن تزايد حوادث السطو المسلح وترويع الآمنين من أبناء المدينة ممن لا ناقة لهم فيما حدث ولا جمل .

بل إن أهل بورسعيد أنفسهم مارسوا الظلم بدورهم بصورة أقل ما يقال عنها أنها همجية بربرية عندما هاجموا محلات "العروسة" الشهيرة التي هي من علامات المدينة منذ ما يقرب من 40 عاما لمجرد أن البلطجي الذي قبضوا عليه ذكر اسم صاحبها وادعى ربما تحت تأثير المخدر والضغط انه موّل البلطجية من القرية المجاورة لتدبير حادث استاد بورسعيد. أعماهم الغضب كما هو الحال دائما وتناسوا أنهم بذلك قضوا على مصدر الرزق لأكثر من 35 أسرة لا علاقة لهم بما حدث في بورسعيد من قريب أو بعيد.


ما هذا السفه؟
ما هذا الفجور؟
من منحنا هذه السلطات المطلقة؟
ما هذه القدرة على التحول في دقائق من ضحايا إلى قضاة ثم جناة ثم جلادين؟
من الذي هدانا إلى هذا الأسلوب الممنهج في ممارسة الظلم ثم ننام في بيوتنا قريري الأعين بعد أن شفينا غليلنا من إخوتنا وأهلنا الذين لم يرتكبوا في حقنا إثما أو جريرة؟
لماذا يعمينا الغضب عن الحق؟
أليس منا من رجل رشيد؟

شقة الأول



في مناقشة مع أحد الأصدقاء حول اللغط الدائر في مصر الآن حول المصطلحات السياسية وتعريفها وفهمها من الأساس لدى من يتداولونها ويلوكونها ليل نهار في وسائل الإعلام وعلى صفحات الشبكة العنكبوتية التي لفَّتنا بخيوطها الناعمة حتى أحكمت قيدنا ولم نعد نستطع منها فكاكا.

وكان أساس المناقشة أن صديقي يرى أن الغالبية العظمى ممن يتعاطون السياسية هذه الأيام لا يعلمون ما هو تعريف الدولة من الأساس فضلاً عن المفاهيم الأكثر تعقيداً وهذا يرجع ربما إلى الجهل بشؤون السياسة والقانون بين كافة طبقات المصريين بما فيهم المثقفون.

لم يعجبني الكلام فاستحضرت مثالا من واقع دراستي ومعايشتي أود أن أعرضه عليكم:
إذا أراد أربعة إخوة يسكنون في الدور "الثالث"  أن يُجروا إصلاحات في شقتهم أو يهدموها ويعيدوا بناءها من جديد فمن الطبيعي أن يكلفوا أحدهم الذي يعمل بالصدفة مهندسا ماهرا للديكور ويسكن معهم في نفس الشقة يعطونه تصوراً عن الشكل الجديد للشقة وماذا يحب أن يكون عليه شكل ولون الحوائط التي لم يتم دهانها منذ عشرات السنين وأكلتها الرطوبة وانتشرت فيها الشقوق التي سكنتها الفئران والسحالي. ماذا سيكون شكل الحمام الجديد الذي انسد صرفه وتآكلت صنابيره و وغطت المياه المتسربة منها أرضيته بل وأرضية الشقة بكاملها فقد امتنع رب الأسرة وزوج الأم الراحل عن صيانته أيضا منذ عشرات السنين. أي نوع من النوافذ يرغبون في تركيبه بدلا من النوافذ القائمة التي لاتحمي من نار الصيف ولا تحجز رياح الشتاء. أين يريدون وضع الإضاءة بعد أن كانت معظم أرجاء الشقة خالية منها بسبب عدم تغيير المصابيح المحترقة أو تجديد الأسلاك المنصهرة بسبب بخل زوج الأم.
وهكذا يتبادل الإخوة وأخوهم المهندس الحوار حول الشكل الجديد للشقة ويعرضون تصورهم النابع من رغبتهم الملحة في حياة هانئة لا يعكر صفوها أن يضطروا إلى تجفيف أرضية الشقة كل يوم من المياه المتسربة ولا أن يناموا خائفين من فئران الشقوق ولا أن يصاب أحدهم بضعف البصر بسبب خفوت الإضاءة. ببساطة أن تعود شقتهم إلى ما كانت عليه قبل أن يتحكم فيها زوج أمهم الراحل. وياحبذا لو استطاعوا أن يصلوا بها إلى مستوى شقة جيرانهم في "الأول" التي يستمتعون كثيرا بزيارتها من آن لآخر خاصة حجرة الأطفال المليئة باللعب والوسائل التعليمية وحجرة المكتب التي تمتد على حوائطها أرفف عامرة بالكتب طالما تمنى بعضهم أن يلتهمها التهاما.
إن لديهم جميعا تصورا واضحا لما يريدون رغم اختلاف الرغبات والطموحات بين الأشفاء الأربعة. وجاء الآن دور أخيهم مهندس الديكور ليدرس واقع الشقة من جديد ويضع الخطة العملية لتحويلها من وضعها الحالي المتهالك إلى الوضع الذي يريده ساكنوها وعليه أن يبحث في كتبه ومراجعه عن الحلول المثلى ويحدد نوعيات المواد اللازمة والتي يجب أن تكون عالية الجودة ويتولى بنفسه الإشراف على عمال البناء وضمان جودة التنفيذ فهو وحده القادر على ذلك.
أما باقي الإخوة فقد انصرف كل منهم إلى عمله ليجلب بعضا من المال يغطون به تكاليف مشروع إعادة بناء الشقة حسب ما حدده لهم الأخ المهندس. ويجتمع الجميع كل ليلة على العشاء ليتلقوا من أخيهم التقرير اليومي عن سير العملية بشفافية كاملة تشمل ما تم إنجازه والتكلفة الحقيقية وما تم إنفاقه وما سيحتاجه المشروع من تكاليف في الأيام القادمة. كل هذا دون أن يدخلوا في مناقشات حول نوع الخرسانة المستخدمة أو قطر أسياخ الحديد أو اسم المحجر الذي جاء منه الزلط فلا أحد يملك الدراية بهذه الأشياء سوى المهندس أما باقي الإخوة فلا يهمهم إلا أن يروا شقتهم التي يحلمون بها تتحقق تدريجيا على أرض الواقع. ويشاهد الجميع بأنفسهم ما تم إنجازه يوما بيوم ويبدون ملاحظاتهم حوله الأخطاء إن وجدت ويحرص المهندس على تصحيحها بخبرته الواسعة أيضا. وفي اليوم التالي يعود كل إلى عمله ليأتي بالمال المطلوب.
وبهذا التنظيم والتوزيع السليم للأدوار بين الإخوة وبعضهم بدأت ملامح المسكن الجديد في التبلور. وبدأ كلُّ منهم يرى ما كان يحلم به يتحقق تدريجيا مما حفزهم لزيادة ساعات العمل كلُّ في وظيفته ليحقق مزيدا من المال يمكِّنهم من الوصول بالمسكن الجديد إلى مستوى شقة "الأول" التي طالما حلموا بها.

لن أستمر في سرد القصة فالنهاية واضحة جلية وسأترك لخيالكم العنان إسقاطها على الواقع المصري.
كل ما نحتاجه الآن هو توزيع مناسب للأدوار وألا نتحول جميعا إلى مهندسين لمجرد أننا نسير في الشوارع ونشاهد مبان جميلة.
لقد أعلن المصريون مواصفات المسكن الجديد بوضوح شديد وعليهم أن يتركوا أمر التنفيذ لأخيهم  المتخصص وأن ويراقبوا النتيجة على أرض الواقع يوما بيوم وأن يطالبوا أخاهم بتصحيح الأخطاء دون أن يفترضوا فيه خيانة الأمانة فلا ننسى أنه هو أيضا أحد ساكني الشقة ويهمه أمرها مثلهم تماما.
أما أن يدخلوا معه في مناقشات عميقة دون علم عن نوعية المواد التي ينبغي إضافتها إلى الخرسانة لتقلل من مدة التصلب أو أن يطلب أحدهم مضاعفة  قطر أسياخ الحديد المستخدمة وهو يظن أن ذلك يضمن متانة المبنى فهذا مضيعة لوقته وجهده وماله ووقت وجهد ومال أخيهم مهندس المشروع  فيما لا طائل من ورائه فللبناء أسس وقواعد يجب الالتزام بها.
عليهم أن يوفروا له الوقت والمال وأن يتحملوا معه أن يناموا جميعا في غرفة واحدة في إضاءة خافتة مع فئران الشقوق حتى تكتمل باقي الغرف ويتحقق الحلم الكبير.

الثلاثاء، 28 يناير 2014

بركان المشاعر



منذ أن اضطررت لمغادرة مصر قبل 24 عاما لأبحث عن حياة كريمة (أو حتى غير كريمة) عجزت عن تحقيقها في بلدي رغم أخذي بكل الأسباب، منذ ذلك الحين لم أنقطع عن قضاء الإجازة الصيفية في مصر مهما كانت الأسباب والظروف وتقلصت الحياة بالنسبة لي ولأسرتي الصغيرة لتصبح عملا شاقا طوال السنة وتحملا للشتاء القارس والجو الملبد بالغيوم طوال العام في مقابل مكافأة سخية نهديها لأنفسنا وأهلينا خلال شهور الصيف تتمثل في دفء الأسرة الكبيرة الذي نفتقده طوال العام وحضن الجد والجدة للأحفاد وشئ من حكمتهم ينهل منه الأولاد وجرعة لابأس بها من شمس نسينا شكلها شهورا. ولا يخلو الأمر من نزهة هنا أو رحلة هناك نتذكرها ونحكي عنها حتى العام القادم.
وبعد عودتنا من رحلة الصيف في العام الماضي بشهرين تقريبا في نوفمبر 2010 كان علينا أن نشتري تذاكر الطيران للعام الفادم حيث تنفذ مقاعد الطيران أو يرتفع ثمنها في الفترة التي ننوي فيها قضاء الإجازة في مصر وهي العطلة الصيفية فهناك الآلاف من الأسر المصرية مضطرة لفعل نفس الشئ في نفس الفترة من كل عام أعني شهري يوليو وأغسطس لارتباطهم بمواعيد المدارس. وهو ما فعلناه حيث اشترينا تذاكر الطيران مبكراً بأسعار معقولة وبدأنا نحلم بالإجازة القادمة ونخطط إلى أين سنذهب هذه المرة؟ شرم الشيخ؟ الغردقة؟ الساحل الشمالي؟ الأسكندرية؟ كم من الوقت سنقضي في القاهرة حيث أصل الأسرة ومعظم الأقارب؟ كم من المعالم يريد الأولاد زيارتها هذه المرة؟ وبتنا نحلم ونحلم.
وذات صباح جميل .. أفقنا من الأحلام الجميلة على الواقع الأجمل يوم الخامس والعشرين من يناير وتفاعلنا مع الثورة بكل طاقتنا وعايشناها عن طريق كل الوسائل الممكنة لحظة بلحظة. وتشاركت على الفيسبوك في جميع المواقع الإخبارية وصفحات النشطاء لتأتيني الأخبار أولا بأول. وأعترف أن انتاجيتي في العمل انخفضت وقتها إلى النصف بسبب المتابعة المستمرة للأحداث المتلاحقة. وكنت مؤمنا بنجاح الثورة منذ اللحظة الأولى وكان الكل وفي مقدمتهم زملائي في العمل من النمساويين يرونني مثل العراف نوستراداموس أرى ما لا يرون وكنت أقول لهم: "عليكم فقط أن تشاهدوا الإصرار في عيون الثوار وستوقنون بالنصر مثلي تماما". وكنت أعرض عليهم صور استبسال الثوار أمام جبروت الشرطة وكانوا يضربون لي الأمثلة بما يسمى "ربيع براغ" عندما وأدت قوات حلف وارسو في أغسطس 1968 الدعوة إلى الإصلاح والديمقراطية التي قام بها الشيوعيون في تشيكوسلوفاكيا في ذلك الوقت أو بمذبحة ميدان تينيامين في بكين في يونيو 1989 التي راح ضحيتها المئات من دعاة الحرية تحت جنازير دبابات الجيش الصيني. وكنت أرد بالنفي القاطع وأقول مؤكداً باستحالة أن يطلق الجيش المصري الرصاص على اخوته وابنائه. وكانوا يتابعون معي الأحداث يوما بيوم فقد كانوا يلتفون حولي أثناء تناول الغذاء لأحكي لهم ما حدث حتى اللحظة ولا يخفون إعجابهم بصمود المصريين. و كانوا يسألونني يوميا بعد تحية الصباح: "أمازال مبارك متشبثا بالحكم؟" فأرد: "نعم ولكن ذلك لن يدوم طويلا فنظامه يترنح."  
وبعد النهاية السعيدة صاروا يهنئونني وسألني أحدهم كيف كنت متأكدا إلى هذه الدرجة من المجرى الإيجابي للأحداث؟ فكررت عبارتي القديمة: "أنا أعرف جيدا هذا الإصرار في عيون المصريين. ومنذ استطاع هؤلاء الأبطال كسر حاجز الخوف وانضم إليهم باقي الشعب أيقنت تماماً أن اللعبة ستنتهي لصالحنا". وعندما سألني أحدهم عن سبب تفاعلي المذهل مع الأحداث وفرحتي العارمة بذهاب مبارك أجبته بأن بيني وبين مبارك حسابا قديما حان الوقت لتصفيته. فلولا فساده وفشل سياساته لما وجدتني واقفا أمامك الآن ولكنت حققت ما حققته من نجاح في بلدي وبين أهلي وربما جئتك هنا سائحا أو زائرا أو في رحلة عمل تماما كما سارت حياتك وحياة مئات الملايين من مواطني الدول المستقرة. إنه ثمن باهظ دفعته من عمري وكياني ولا أحلم الآن أن أستعيد ما فات ولكني حريص على إرساء دعائم حياة كريمة لأولادي من بعدي.
 معذرة فقد استغرقت في سرد معايشتي لأحداث الثورة ونسيت أن موعد الإجازة قد اقترب وأننا بدأنا في التجهيز للرحلة وشراء المستلزمات والهدايا. ولكن مصر التي غادرناها في العام الماضي ليست هي التي سنزورها بعد قرابة الشهر من الآن. ياللمأزق. كيف سيكون شكل البلاد بعد الثورة؟ هل تتطابق الصورة الذهنية التي استوحيتها من الفيسبوك عن مصر الجديدة مع الواقع؟ الناس وقد تأثرت بروح الثورة وصارت تقف في الطوابير بنظام وصبر؟ تنظيف الشوارع بيد الشباب المبتسم المتحمس هل أصبح عادة منتظمة؟ هل تعلم المصريون احترام قواعد المرور؟ هل تحسنت الخدمة في المصالح الحكومية واختفت الرشوة؟ هل تعلمت الشرطة الدرس وأدركت أن الكل في خدمة الشعب وليست الشرطة وحدها؟ أم أن كل هذا مازال في طور التكوين ولم يتناول المصريون حبوب الأخلاق بعد ليتحولوا إلى ملائكة بين عشية وضحاها؟
الشئ الوحيد الذي كنت متأكدا منه هو أن أهم أسباب نجاح الثورة كان كسر شوكة الشرطة أثناء مهمتها الاستثنائية لقمع الثوار مما خلق في ذات الوقت انفلاتا أمنيا يعاني منه المصريون شهورا بعد الثورة.
ولكن ماذا يعني في الواقع هذا الانفلات الأمني؟
سألت العائدين من مصر قريبا بعد قضاء إجازات قصيرة عن أحوال البلد فتلقيت من الإجابات المتناقضة ما زاد من حيرتي. فهذا يقول إن الرعب يسود الشوارع وخطف شنط السيدات أصبح منتشرا أكثر من ذي قبل. وأصبح سائقوا التاكسي يختارون الركاب بالمظهر خوفا من أن يركب معهم بلطجي وكذلك الراكب ينظر إلى وجه السائق قبل أن يفتح الباب ويدخل السيارة فربما انتهت الرحلة بالاختطاف والسطو المسلح. حتى أن شقيقة زوجتي حذرتنا من المجئ إلى مصر هذا العام نهائيا خوفا منها على أن نضطر لقضاء الإجازة في البيت لعدم قدرتنا على التحرك بحرية.
تحدثت مع جار لي مصري مسيحي وسألته عن أحوال أسرته في مصر فأخبرني بحزن شديد أن السلفيين يخطفون الفتيات المسيحيات وأن بنات أخته كن متفوقات وتخرجن واضطررن لترك أعمالهن والجلوس في البيت خوفا من الاختطاف. وأن زوجته ستسافر إلى القاهرة لحضور زواج أخيها وأنه نصحهم بعمل حفل "على الضيق" وألا يرتدين ملابس لافتة للنظر خوفا عليهن من الاختطاف أو الإيذاء. فأعاد إلى ذاكرتي نشاط اسلفيين في شوارع مصر في أواخر السبعينيات والذي أدى إلى تقسيم المصريين حسب انتمائهم العقائدي وأفكارهم ومدى ممارستهم للشعائر وانتهى بتكفير واغتيال السادات وبداية كل الكوارث التي عشناها بعد ذلك. وأخبرت جاري العزيز أننا فما يتعلق بالمسألة السلفي "في الهم سوا"
وقال لي زميلي المصري الوحيد في العمل بعد عودته من الأسكندرية إن الفوضى أصبحت أضعاف ما سبق فيما يتعلق بالمرور وترك السيارات على الطريق صفا ثانيا وثالثا ورابعا. وأن إشغالات الرصيف باتت أكثروقاحة في غياب الرقيب.  وأنه لازال هناك الكثيرون ممن يستقبلونك في المطار ويتحايلون على ابتزازك بكل الوسائل فمنهم عساكر وأمناء الشرطة الذين يرمقونك بنظرات حادة تنبئ بتفتيش جيوبك بحثا عن أي مخالفة أو مبالغ تزيد عن المسموح حتى تخرج أنت من نفسك ما تيسر من الرشوة لتتجنب عواقب هذه النظرة وحتى لا تفوتك الطائرة ومنهم من يستقبلك بابتسامة صفراء تتبعها جملة: "حمد الله عالسلامة يا باشا" أو "كل سنة وانت طيب يا باشا" ويتباطأ في تخليص الإجراء الذي يقوم به حتى يحصل منك على "الإكرامية" وهم أقل ضررا من سابقيهم. وأضاف زميلي كارثة أخرى يعاني منها أهالي الأسكندرية ومطروح على وجه التحديد وهي تسرب كميات من الأسلحة من ليبيا عقب الاضطرابات الأخيرة هناك.
وعلى الجانب الآخرهاتفني أخي لينفي تردي الأوضاع في مدينتي بورسعيد ويقسم لي أن الأمور هادئة تماما وأنه بحكم عمله كطبيب مسئول عن أقسام الطوارئ في مستشفيات المدينة لم يسجل أي زيادة غير علدية في أعداد الحوادث منذ أسابيع وأنه وأسرته يتحركون في البلد بكل اطمئنان وفي أي وقت.
وكان ما توج حيرتي أن زميلا نمساويا لي في العمل عاد من الغردقة منذ شهر تقريبا بعد قضاء اجازته السنوية ليصف لي الأوضاع بالعادية الآمنة تماما وأن الفارق الوحيد عن كل عام هو دبابة رآها تقف أمام مجلس المدينة ثم حكى لي ساخرا بلطف عن تعثر الدولة في إدارة عملية إلغاء التوقيت الصيفي والغياب الكامل للمعلومات مما أدى إلى تأخره عن موعد الرحلة.
حاولت بنفسي تعقب حركة السياح القادمين من النمسا إلى مصر عن طريق معلومات متاحة لي بحكم عملي فتأكدت من عودة الآعداد إلى سابق عهدها قبل الثورة تقريبا خاصة في الغردقة.
وهنا آتي إلى المسألة الصعبة. ما هو شكل مصر بعد الثورة؟
لم أتمكن من رسم صورة لها في خيالي للتضارب الصارخ في وصفها من جانب أصدقائي وزملائي وأحبابي الذين أثق فيهم. هل أصبح الوضع بهذا التعقيد؟ هل أصبحت مصر أكثر إيجابية؟ هل زادت السلبية؟  هل تبخرت روح الثورة بعد الاستفتاء على التعديلات الدستورية؟ هل يكتب لي أن أعايش شيئا من بقايا روح التحريرعند مجيئي إلى مصر؟ أم سأظل أترحم عليها وأنا أشاهدها موثقة في آلاف الصور التي تمكنت من الاحتفاظ بها من الشبكة العنكبوتية  التي هي حبلنا السري الذي يربطنا بمصر؟
أخيرا أؤكد أنني لست جادا في البحث عن حل لهذه المعضلة فالإجابة ستظهر قريبا إن شاء الله بعد انقضاء فترة المخاض. وأؤكد أيضا أننى قادم إلى مصر قادم لا محالة مهما كانت الظروف بمشيئة الله في الموعد المحدد. ولكني أحببت أن أشارككم جانبا من المشاعر والمخاوف والتساؤلات. ودعوني أختتم هذه الرسالة مقطع من أغنية لفرقة الأصدقاء كان ومازال يبكيني كلما سمعته:
هو إيه معنى الساعات وللا الفصول ... إلا في الأرض اللي فيها ذكرياتنا وحبنا

ربنا يستر




كم منا من قاد سيارته وهو يدري أنها غير مستكملة لجميع وسائل الأمان الواجبة فالفرامل ضعيفة واللمبات كلها محترقة والمرايا مكسورة بل وكمية الوقود لا تكفي لقطع المسافة التي ينشدها وزيت المحرك أيضا أقل من المطلوب ومع هذا فلم يثنه هذا الوضع المزري عن الانطلاق بالسيارة وهو على يقين تام أن الله سيمنع عنه المخاطر وأن "ربنا يستر" لتتوقف به السيارة المسكينة في عرض الطريق وتعطل المرور حتى يأتي الميكانيكي ليسحبها إلى الورشة ويقضي صاحبنا أياما وأسابيع بجوار مريضته العزيزة حتى تشفى ويدفع هو فاتورة علاجها آلافا من الجنيهات؟
ومن منا من لم يدخل الامتحان دون أن يذاكر جيدا وقد قرأ سورة ياسين والآيات التي فيها ذكر لكلمة العلم أو الفهم وكله إيمان بأن الله سوف يُنطق لسانه ويُحرك قلمه ليَسطُر الإجابة الصحيحة على الأسئلة فتأتي النتيجة عكس ما كان يأمل وما يتمنى ويرسب رسوبا مريعا؟
ومنا من لم يتحرك بسيارته عكس اتجاه السير وهو يدعو الله مخلصا ألا تأتي سيارة في الاتجاه الآخر الصحيح لتصطدم به ويقع الحق عليه وكله يقين أن الله سوف يستجيب لدعائه ويحميه فما يلبث أن تنتهي أحلامه نهاية مروعة عندما تنطلق سيارة مسرعة من أمامه لتهشم سيارته ويصبح عليه إصلاح كليهما؟
وكم من مهندس قرر أن يستخدم كمية أقل من الواجب من حديد التسليح أملا في أن يوفر لنفسه أو لمن وظَّفَه بضعا من الجنيهات وقد وقر في قلبه أن الله سوف يستر فعلته ويحمي بقدرته المبنى من السقوط فيوقظه صوت الهاتف ذات يوم على استدعائه للنيابة للتحقيق في مقتل العشرات جراء سقوط المبنى؟
تسنى لي ذات يوم أن أزور الشركة التي تتولى طباعة الفواتير للمؤسسة التي أعمل بها والمفترض أنها مطبعة كبيرة تقوم بإنتاج ملايين المطبوعات شهريا .. هالتني كمية احتياطات الأمان المذهلة التي تصحب جميع خطوات الإنتاج .. وكانت القمة هي مولد ضخم للكهرباء في غرفة تحت الأرض تحسبا لانقطاع التيار الكهربائي في بلد لا تنقطع في الكهرباء سوى مرة كل بضعة سنوات.
وحدث ذات يوم أن تكاسلت عن تركيب خرطوم الصرف لغسالة الملابس تركيبا محكما وقررت توفير التأمين على الأضرار المنزلية آملا أن "ربنا يستر". إلا أن الله لم يستر عندما قفز الخرطوم وأغرق أرضية الشقة وأفسد ورق الحائط وتوصيلات الكهرباء لجاري في الشقة السفلى .. ولإنه قام بالتأمين على شقته ضد الأضرار المنزلية فقد أجبرتني شركة التأمين على دفع كافة تكاليف إصلاح الأضرار التي لحقت بشقته والتي تسببت فيها .. وبما أني كنت قد قررت توفير التأمين فقد اضطررت لدفع التكاليف من جيبي الخاص .. وهكذا تعلمت أن احتياطات الأمان مكلفة دائما ولكنها واجبة وضرورية قبل أن تقع الفأس في الرأس ولا يجدي الندم وتصبح تكلفة إزالة الضرر الواقع أضعاف تكلفة احتياطات الأمان وأحيانا لا تقدر بالمال إذا تعلق الأمر بأرواح بريئة طاهرة
كم منا من قصر وتكاسل وتواكل ولم يأخذ بالأسباب آملا أن "ربنا يستر"؟
هذا هو تماما ما فعله خفير مزلقان أسيوط الذي ذهب لينام وترك المزلقان مفتوحا ساعة مرور القطار وهو أيضا ما فعله مسئول السكك الحديدية الذي ترك المزلقان نفسه دون التأمين الأوتوماتيكي المستخدم في كل أنحاء العالم  معتمدا على العامل البشري الذي يخطئ أكثر مما يصيب وأن "ربنا يستر" .. إلا أن الله سبحانه وتعالى لا يستر على مقصر ولا متكاسل ولا متواكل ولا متخاذل .. فقد حصد الفهم السقيم لهذه المقولة التي أفرغها المصريون من مضمونها النبيل هذه المرة أرواح خمسين من زهور المستقبل البريئة الطاهرة لم تجن ذنبا سوى انتماءها لهذا الزمن البائس وهذا البلد التعيس المنكوب
الأمر لم يعد ترفا وإنما أصبح واجبا حتميا .. والإهمال أصبح نوعا من الخيانة للإنسانية .. والتهاون في التعامل معه تفريط في حق أصيل من حقوق البشر وهو الحق في الحياة ..
ولا أجد أفضل من أبيات البارع تميم البرغوتي في وصف المعنى الحقيقي لموت إنسان:
مين قالك الموت طبيعي يبقى مش شايف
الموت ده شيء مش طبيعي
الموت ده اصله خلل
الأصل فينا الخلود وهاييجي يوم نلقاه
ما تحسبوش الشهيد اداكوا بس حياة
ما موتوش هو وحده اللي برصاصة رماه
ده طخ إبنه اللي لسه ما اتولدش معاه
وطخ أولاد ولاده لحد آخر الأيام
موّت معاه بشرية كاملة محتملة
عدّوا بقى فيها كام شاعر وكام رسام
وكام طبيب عبقري بين الاطبة امام
و فيلسوف له على حكم الليالي كلام
وبنت نظرتها تشفي القلب من دائُه
فيه شعب كامل رَحَل ماعرفش اسمائه
في جسم كل شهيد فيه مصر مكتملة
فخلو مصر اللي فاضلة تعيش كما شاءوا