لم تنته أحلام الزعيم النازي في بسط سيادة الجنس الآري على العالم إلا
على جثث أكثر من 60 مليون ضحية وأنقاض قارة بأكملها تساوت بالأرض بعد صراع دموي
مرير لن يمحى من ذاكرة التاريخ إلى الأبد .. لم ينته حلم الديكتاتور السفاح إلا في
نهاية ابريل من عام 1945 بتجرعه كأسا من السم لينجو بنفسه من حساب أنصاره قبل
انتقام أعدائه .. بعد أن ظن أن لن يقدر عليه أحد ..
لا أستطيع أن أمنع نفسي من مقارنة هذا المشهد الكئيب بالمشهد الذي لا
يقل كآبة ويسود مصرنا الحبيبة منذ شهور .. وسأترك للقارئ أن يعقد المقارنة بنفسه
وكلي ثقة من أن انقساما حادا سيحدث على تحديد من هو هتلر هذا الزمان .. ولكن هذا
ليس هو مربط الفرس
ما يحدث هو أن هناك طرفاً لا يريد أن يتخلى عن حلمه حتى لو تحولت مصر
إلى أنقاض وفاضت شوارعها بالدماء .. وآخر لن يتوقف عن الاغتيال المعنوي والمادي
للطرف الأول حتى لو امتلأت السجون بالأبرياء والمقابر بالشهداء ..
وما نتعلمه من التاريخ هو استحالة تحقيق الانتصار في مواجهة جيش قوي وسلطة
أمنية باطشة معتلاشي التأييد الشعبي .. بل وتعاظم قوة الرفض في الشارع بفعل أخطاء
سابقة ولاحقة وآلة إعلامية موجهة مسيطرة تحتكر الفضاء ولا تضع المهنية على قمة
أولوياتها ..
وعلى الناحية الأخرى تُنبِؤنا دروس الماضي والحاضر أن الأفكار لا تموت
أبدا مهما كان تصنيفها .. فمازالت الأحزاب الشيوعية متواجدة رفم سقوط الاتحاد
السوفيتي .. ومازالت الأحزاب اليمينية تتبنى الأفكار النازية ولو على استحياء
تفاديا للتعقب والمساءلة .. بل إن الإمعان في قمع الأفكار لا يزيدها إلا ثباتا
ورسوخا في قلوب معتنقيها
استنباطا مما سبق يمكننا أن نرى مصر بعد أعوام ومازال الصراع بين
الطرفين متقدا في وضع أشبه بالعراق أو أفغانستان .. بلا منتصر ولا مهزوم .. تنام
على حريق وتصحو على تفجير .. لا يستطيع أقوى الرؤساء أن يتحكم في شوارعها أو يسيطر
على مواردها بينما يخوض جزء من شعبه معارضة مسلحة ضده .. وبينما تقض مضجعه الأصوات
الرافضة لعودة دولة القمع مرة أخرى .. ويخيّر شعبها ثانية بين حريته وبين أمنه
إن صراعا مثل هذا مرشح للاستمرار طالما تشبث كل طرف بأخطائه .. فالجميع
يرتكبون أخطاء فادحة وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعا
لا مخرج لنا من هذا الكابوس المقيت ولا بداية حقيقية لمستقبل بلدي
الحبيبة إلا بوقفة صادقة من الطرفين مع النفس .. يتخلى فيها كل منهم عن غروره
وكبريائه .. ويؤجل أحلامه إلى حين وينزل إلى أرض الواقع .. وأن يعلن الجميع عن
هدنة تلتقط فيها مصر أنفاسها .. وينعم الشعب المطحون ببرهة من الأمن والاستقرار والنماء
..
لا مفر من أن يتجرع الطرفان هذا الدواء المر .. وأن يعترف كل منهما
بالآخر .. وأن ينحي طموحاته جانبا ولو مؤقتا .. وأن يعيد ترتيب أولوياته .. وأن
يعيد قراءة الواقع بشئ من التجرد .. وأن يوقن أن سعيه لإفناء الآخر لن يكتب له
النجاح مهما أعاد المحاولة أو رفع من درجة التصعيد في المواجهة ..
ولسنا أول من ينهي صراعا بهذه الطريقة فقد تجرعت أطراف الصراع في
ايرلندا الشمالية نفس الدواء مع الفارق في نوعية الخلاف .. ونجحوا في التعايش
والشفاء من العداوة التي سادت لعشرات الأعوام .. وأتمنى من الله ألا تستمر العداوة
بيننا لهذه الفترة .. فلسنا أقل حكمة ولا حرصا على سلامة وطننا وتقدمه وازدهاره
منهم على وطنهم
ويحضرني هنا قول رسول الله صلى الله عليه وسلم في حديث لا يبتعد كثيرا
عن المعنى الذي أقصده
صل من
قطعك ، وأحسن إلى من أساء إليك ، وقل الحق ولو على نفسك
وما أقسى قول الحق عندما يكون على حساب النفس
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق