الثلاثاء، 28 يناير 2014

بركان المشاعر



منذ أن اضطررت لمغادرة مصر قبل 24 عاما لأبحث عن حياة كريمة (أو حتى غير كريمة) عجزت عن تحقيقها في بلدي رغم أخذي بكل الأسباب، منذ ذلك الحين لم أنقطع عن قضاء الإجازة الصيفية في مصر مهما كانت الأسباب والظروف وتقلصت الحياة بالنسبة لي ولأسرتي الصغيرة لتصبح عملا شاقا طوال السنة وتحملا للشتاء القارس والجو الملبد بالغيوم طوال العام في مقابل مكافأة سخية نهديها لأنفسنا وأهلينا خلال شهور الصيف تتمثل في دفء الأسرة الكبيرة الذي نفتقده طوال العام وحضن الجد والجدة للأحفاد وشئ من حكمتهم ينهل منه الأولاد وجرعة لابأس بها من شمس نسينا شكلها شهورا. ولا يخلو الأمر من نزهة هنا أو رحلة هناك نتذكرها ونحكي عنها حتى العام القادم.
وبعد عودتنا من رحلة الصيف في العام الماضي بشهرين تقريبا في نوفمبر 2010 كان علينا أن نشتري تذاكر الطيران للعام الفادم حيث تنفذ مقاعد الطيران أو يرتفع ثمنها في الفترة التي ننوي فيها قضاء الإجازة في مصر وهي العطلة الصيفية فهناك الآلاف من الأسر المصرية مضطرة لفعل نفس الشئ في نفس الفترة من كل عام أعني شهري يوليو وأغسطس لارتباطهم بمواعيد المدارس. وهو ما فعلناه حيث اشترينا تذاكر الطيران مبكراً بأسعار معقولة وبدأنا نحلم بالإجازة القادمة ونخطط إلى أين سنذهب هذه المرة؟ شرم الشيخ؟ الغردقة؟ الساحل الشمالي؟ الأسكندرية؟ كم من الوقت سنقضي في القاهرة حيث أصل الأسرة ومعظم الأقارب؟ كم من المعالم يريد الأولاد زيارتها هذه المرة؟ وبتنا نحلم ونحلم.
وذات صباح جميل .. أفقنا من الأحلام الجميلة على الواقع الأجمل يوم الخامس والعشرين من يناير وتفاعلنا مع الثورة بكل طاقتنا وعايشناها عن طريق كل الوسائل الممكنة لحظة بلحظة. وتشاركت على الفيسبوك في جميع المواقع الإخبارية وصفحات النشطاء لتأتيني الأخبار أولا بأول. وأعترف أن انتاجيتي في العمل انخفضت وقتها إلى النصف بسبب المتابعة المستمرة للأحداث المتلاحقة. وكنت مؤمنا بنجاح الثورة منذ اللحظة الأولى وكان الكل وفي مقدمتهم زملائي في العمل من النمساويين يرونني مثل العراف نوستراداموس أرى ما لا يرون وكنت أقول لهم: "عليكم فقط أن تشاهدوا الإصرار في عيون الثوار وستوقنون بالنصر مثلي تماما". وكنت أعرض عليهم صور استبسال الثوار أمام جبروت الشرطة وكانوا يضربون لي الأمثلة بما يسمى "ربيع براغ" عندما وأدت قوات حلف وارسو في أغسطس 1968 الدعوة إلى الإصلاح والديمقراطية التي قام بها الشيوعيون في تشيكوسلوفاكيا في ذلك الوقت أو بمذبحة ميدان تينيامين في بكين في يونيو 1989 التي راح ضحيتها المئات من دعاة الحرية تحت جنازير دبابات الجيش الصيني. وكنت أرد بالنفي القاطع وأقول مؤكداً باستحالة أن يطلق الجيش المصري الرصاص على اخوته وابنائه. وكانوا يتابعون معي الأحداث يوما بيوم فقد كانوا يلتفون حولي أثناء تناول الغذاء لأحكي لهم ما حدث حتى اللحظة ولا يخفون إعجابهم بصمود المصريين. و كانوا يسألونني يوميا بعد تحية الصباح: "أمازال مبارك متشبثا بالحكم؟" فأرد: "نعم ولكن ذلك لن يدوم طويلا فنظامه يترنح."  
وبعد النهاية السعيدة صاروا يهنئونني وسألني أحدهم كيف كنت متأكدا إلى هذه الدرجة من المجرى الإيجابي للأحداث؟ فكررت عبارتي القديمة: "أنا أعرف جيدا هذا الإصرار في عيون المصريين. ومنذ استطاع هؤلاء الأبطال كسر حاجز الخوف وانضم إليهم باقي الشعب أيقنت تماماً أن اللعبة ستنتهي لصالحنا". وعندما سألني أحدهم عن سبب تفاعلي المذهل مع الأحداث وفرحتي العارمة بذهاب مبارك أجبته بأن بيني وبين مبارك حسابا قديما حان الوقت لتصفيته. فلولا فساده وفشل سياساته لما وجدتني واقفا أمامك الآن ولكنت حققت ما حققته من نجاح في بلدي وبين أهلي وربما جئتك هنا سائحا أو زائرا أو في رحلة عمل تماما كما سارت حياتك وحياة مئات الملايين من مواطني الدول المستقرة. إنه ثمن باهظ دفعته من عمري وكياني ولا أحلم الآن أن أستعيد ما فات ولكني حريص على إرساء دعائم حياة كريمة لأولادي من بعدي.
 معذرة فقد استغرقت في سرد معايشتي لأحداث الثورة ونسيت أن موعد الإجازة قد اقترب وأننا بدأنا في التجهيز للرحلة وشراء المستلزمات والهدايا. ولكن مصر التي غادرناها في العام الماضي ليست هي التي سنزورها بعد قرابة الشهر من الآن. ياللمأزق. كيف سيكون شكل البلاد بعد الثورة؟ هل تتطابق الصورة الذهنية التي استوحيتها من الفيسبوك عن مصر الجديدة مع الواقع؟ الناس وقد تأثرت بروح الثورة وصارت تقف في الطوابير بنظام وصبر؟ تنظيف الشوارع بيد الشباب المبتسم المتحمس هل أصبح عادة منتظمة؟ هل تعلم المصريون احترام قواعد المرور؟ هل تحسنت الخدمة في المصالح الحكومية واختفت الرشوة؟ هل تعلمت الشرطة الدرس وأدركت أن الكل في خدمة الشعب وليست الشرطة وحدها؟ أم أن كل هذا مازال في طور التكوين ولم يتناول المصريون حبوب الأخلاق بعد ليتحولوا إلى ملائكة بين عشية وضحاها؟
الشئ الوحيد الذي كنت متأكدا منه هو أن أهم أسباب نجاح الثورة كان كسر شوكة الشرطة أثناء مهمتها الاستثنائية لقمع الثوار مما خلق في ذات الوقت انفلاتا أمنيا يعاني منه المصريون شهورا بعد الثورة.
ولكن ماذا يعني في الواقع هذا الانفلات الأمني؟
سألت العائدين من مصر قريبا بعد قضاء إجازات قصيرة عن أحوال البلد فتلقيت من الإجابات المتناقضة ما زاد من حيرتي. فهذا يقول إن الرعب يسود الشوارع وخطف شنط السيدات أصبح منتشرا أكثر من ذي قبل. وأصبح سائقوا التاكسي يختارون الركاب بالمظهر خوفا من أن يركب معهم بلطجي وكذلك الراكب ينظر إلى وجه السائق قبل أن يفتح الباب ويدخل السيارة فربما انتهت الرحلة بالاختطاف والسطو المسلح. حتى أن شقيقة زوجتي حذرتنا من المجئ إلى مصر هذا العام نهائيا خوفا منها على أن نضطر لقضاء الإجازة في البيت لعدم قدرتنا على التحرك بحرية.
تحدثت مع جار لي مصري مسيحي وسألته عن أحوال أسرته في مصر فأخبرني بحزن شديد أن السلفيين يخطفون الفتيات المسيحيات وأن بنات أخته كن متفوقات وتخرجن واضطررن لترك أعمالهن والجلوس في البيت خوفا من الاختطاف. وأن زوجته ستسافر إلى القاهرة لحضور زواج أخيها وأنه نصحهم بعمل حفل "على الضيق" وألا يرتدين ملابس لافتة للنظر خوفا عليهن من الاختطاف أو الإيذاء. فأعاد إلى ذاكرتي نشاط اسلفيين في شوارع مصر في أواخر السبعينيات والذي أدى إلى تقسيم المصريين حسب انتمائهم العقائدي وأفكارهم ومدى ممارستهم للشعائر وانتهى بتكفير واغتيال السادات وبداية كل الكوارث التي عشناها بعد ذلك. وأخبرت جاري العزيز أننا فما يتعلق بالمسألة السلفي "في الهم سوا"
وقال لي زميلي المصري الوحيد في العمل بعد عودته من الأسكندرية إن الفوضى أصبحت أضعاف ما سبق فيما يتعلق بالمرور وترك السيارات على الطريق صفا ثانيا وثالثا ورابعا. وأن إشغالات الرصيف باتت أكثروقاحة في غياب الرقيب.  وأنه لازال هناك الكثيرون ممن يستقبلونك في المطار ويتحايلون على ابتزازك بكل الوسائل فمنهم عساكر وأمناء الشرطة الذين يرمقونك بنظرات حادة تنبئ بتفتيش جيوبك بحثا عن أي مخالفة أو مبالغ تزيد عن المسموح حتى تخرج أنت من نفسك ما تيسر من الرشوة لتتجنب عواقب هذه النظرة وحتى لا تفوتك الطائرة ومنهم من يستقبلك بابتسامة صفراء تتبعها جملة: "حمد الله عالسلامة يا باشا" أو "كل سنة وانت طيب يا باشا" ويتباطأ في تخليص الإجراء الذي يقوم به حتى يحصل منك على "الإكرامية" وهم أقل ضررا من سابقيهم. وأضاف زميلي كارثة أخرى يعاني منها أهالي الأسكندرية ومطروح على وجه التحديد وهي تسرب كميات من الأسلحة من ليبيا عقب الاضطرابات الأخيرة هناك.
وعلى الجانب الآخرهاتفني أخي لينفي تردي الأوضاع في مدينتي بورسعيد ويقسم لي أن الأمور هادئة تماما وأنه بحكم عمله كطبيب مسئول عن أقسام الطوارئ في مستشفيات المدينة لم يسجل أي زيادة غير علدية في أعداد الحوادث منذ أسابيع وأنه وأسرته يتحركون في البلد بكل اطمئنان وفي أي وقت.
وكان ما توج حيرتي أن زميلا نمساويا لي في العمل عاد من الغردقة منذ شهر تقريبا بعد قضاء اجازته السنوية ليصف لي الأوضاع بالعادية الآمنة تماما وأن الفارق الوحيد عن كل عام هو دبابة رآها تقف أمام مجلس المدينة ثم حكى لي ساخرا بلطف عن تعثر الدولة في إدارة عملية إلغاء التوقيت الصيفي والغياب الكامل للمعلومات مما أدى إلى تأخره عن موعد الرحلة.
حاولت بنفسي تعقب حركة السياح القادمين من النمسا إلى مصر عن طريق معلومات متاحة لي بحكم عملي فتأكدت من عودة الآعداد إلى سابق عهدها قبل الثورة تقريبا خاصة في الغردقة.
وهنا آتي إلى المسألة الصعبة. ما هو شكل مصر بعد الثورة؟
لم أتمكن من رسم صورة لها في خيالي للتضارب الصارخ في وصفها من جانب أصدقائي وزملائي وأحبابي الذين أثق فيهم. هل أصبح الوضع بهذا التعقيد؟ هل أصبحت مصر أكثر إيجابية؟ هل زادت السلبية؟  هل تبخرت روح الثورة بعد الاستفتاء على التعديلات الدستورية؟ هل يكتب لي أن أعايش شيئا من بقايا روح التحريرعند مجيئي إلى مصر؟ أم سأظل أترحم عليها وأنا أشاهدها موثقة في آلاف الصور التي تمكنت من الاحتفاظ بها من الشبكة العنكبوتية  التي هي حبلنا السري الذي يربطنا بمصر؟
أخيرا أؤكد أنني لست جادا في البحث عن حل لهذه المعضلة فالإجابة ستظهر قريبا إن شاء الله بعد انقضاء فترة المخاض. وأؤكد أيضا أننى قادم إلى مصر قادم لا محالة مهما كانت الظروف بمشيئة الله في الموعد المحدد. ولكني أحببت أن أشارككم جانبا من المشاعر والمخاوف والتساؤلات. ودعوني أختتم هذه الرسالة مقطع من أغنية لفرقة الأصدقاء كان ومازال يبكيني كلما سمعته:
هو إيه معنى الساعات وللا الفصول ... إلا في الأرض اللي فيها ذكرياتنا وحبنا

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق