الجمعة، 31 يناير 2014

شقة الأول



في مناقشة مع أحد الأصدقاء حول اللغط الدائر في مصر الآن حول المصطلحات السياسية وتعريفها وفهمها من الأساس لدى من يتداولونها ويلوكونها ليل نهار في وسائل الإعلام وعلى صفحات الشبكة العنكبوتية التي لفَّتنا بخيوطها الناعمة حتى أحكمت قيدنا ولم نعد نستطع منها فكاكا.

وكان أساس المناقشة أن صديقي يرى أن الغالبية العظمى ممن يتعاطون السياسية هذه الأيام لا يعلمون ما هو تعريف الدولة من الأساس فضلاً عن المفاهيم الأكثر تعقيداً وهذا يرجع ربما إلى الجهل بشؤون السياسة والقانون بين كافة طبقات المصريين بما فيهم المثقفون.

لم يعجبني الكلام فاستحضرت مثالا من واقع دراستي ومعايشتي أود أن أعرضه عليكم:
إذا أراد أربعة إخوة يسكنون في الدور "الثالث"  أن يُجروا إصلاحات في شقتهم أو يهدموها ويعيدوا بناءها من جديد فمن الطبيعي أن يكلفوا أحدهم الذي يعمل بالصدفة مهندسا ماهرا للديكور ويسكن معهم في نفس الشقة يعطونه تصوراً عن الشكل الجديد للشقة وماذا يحب أن يكون عليه شكل ولون الحوائط التي لم يتم دهانها منذ عشرات السنين وأكلتها الرطوبة وانتشرت فيها الشقوق التي سكنتها الفئران والسحالي. ماذا سيكون شكل الحمام الجديد الذي انسد صرفه وتآكلت صنابيره و وغطت المياه المتسربة منها أرضيته بل وأرضية الشقة بكاملها فقد امتنع رب الأسرة وزوج الأم الراحل عن صيانته أيضا منذ عشرات السنين. أي نوع من النوافذ يرغبون في تركيبه بدلا من النوافذ القائمة التي لاتحمي من نار الصيف ولا تحجز رياح الشتاء. أين يريدون وضع الإضاءة بعد أن كانت معظم أرجاء الشقة خالية منها بسبب عدم تغيير المصابيح المحترقة أو تجديد الأسلاك المنصهرة بسبب بخل زوج الأم.
وهكذا يتبادل الإخوة وأخوهم المهندس الحوار حول الشكل الجديد للشقة ويعرضون تصورهم النابع من رغبتهم الملحة في حياة هانئة لا يعكر صفوها أن يضطروا إلى تجفيف أرضية الشقة كل يوم من المياه المتسربة ولا أن يناموا خائفين من فئران الشقوق ولا أن يصاب أحدهم بضعف البصر بسبب خفوت الإضاءة. ببساطة أن تعود شقتهم إلى ما كانت عليه قبل أن يتحكم فيها زوج أمهم الراحل. وياحبذا لو استطاعوا أن يصلوا بها إلى مستوى شقة جيرانهم في "الأول" التي يستمتعون كثيرا بزيارتها من آن لآخر خاصة حجرة الأطفال المليئة باللعب والوسائل التعليمية وحجرة المكتب التي تمتد على حوائطها أرفف عامرة بالكتب طالما تمنى بعضهم أن يلتهمها التهاما.
إن لديهم جميعا تصورا واضحا لما يريدون رغم اختلاف الرغبات والطموحات بين الأشفاء الأربعة. وجاء الآن دور أخيهم مهندس الديكور ليدرس واقع الشقة من جديد ويضع الخطة العملية لتحويلها من وضعها الحالي المتهالك إلى الوضع الذي يريده ساكنوها وعليه أن يبحث في كتبه ومراجعه عن الحلول المثلى ويحدد نوعيات المواد اللازمة والتي يجب أن تكون عالية الجودة ويتولى بنفسه الإشراف على عمال البناء وضمان جودة التنفيذ فهو وحده القادر على ذلك.
أما باقي الإخوة فقد انصرف كل منهم إلى عمله ليجلب بعضا من المال يغطون به تكاليف مشروع إعادة بناء الشقة حسب ما حدده لهم الأخ المهندس. ويجتمع الجميع كل ليلة على العشاء ليتلقوا من أخيهم التقرير اليومي عن سير العملية بشفافية كاملة تشمل ما تم إنجازه والتكلفة الحقيقية وما تم إنفاقه وما سيحتاجه المشروع من تكاليف في الأيام القادمة. كل هذا دون أن يدخلوا في مناقشات حول نوع الخرسانة المستخدمة أو قطر أسياخ الحديد أو اسم المحجر الذي جاء منه الزلط فلا أحد يملك الدراية بهذه الأشياء سوى المهندس أما باقي الإخوة فلا يهمهم إلا أن يروا شقتهم التي يحلمون بها تتحقق تدريجيا على أرض الواقع. ويشاهد الجميع بأنفسهم ما تم إنجازه يوما بيوم ويبدون ملاحظاتهم حوله الأخطاء إن وجدت ويحرص المهندس على تصحيحها بخبرته الواسعة أيضا. وفي اليوم التالي يعود كل إلى عمله ليأتي بالمال المطلوب.
وبهذا التنظيم والتوزيع السليم للأدوار بين الإخوة وبعضهم بدأت ملامح المسكن الجديد في التبلور. وبدأ كلُّ منهم يرى ما كان يحلم به يتحقق تدريجيا مما حفزهم لزيادة ساعات العمل كلُّ في وظيفته ليحقق مزيدا من المال يمكِّنهم من الوصول بالمسكن الجديد إلى مستوى شقة "الأول" التي طالما حلموا بها.

لن أستمر في سرد القصة فالنهاية واضحة جلية وسأترك لخيالكم العنان إسقاطها على الواقع المصري.
كل ما نحتاجه الآن هو توزيع مناسب للأدوار وألا نتحول جميعا إلى مهندسين لمجرد أننا نسير في الشوارع ونشاهد مبان جميلة.
لقد أعلن المصريون مواصفات المسكن الجديد بوضوح شديد وعليهم أن يتركوا أمر التنفيذ لأخيهم  المتخصص وأن ويراقبوا النتيجة على أرض الواقع يوما بيوم وأن يطالبوا أخاهم بتصحيح الأخطاء دون أن يفترضوا فيه خيانة الأمانة فلا ننسى أنه هو أيضا أحد ساكني الشقة ويهمه أمرها مثلهم تماما.
أما أن يدخلوا معه في مناقشات عميقة دون علم عن نوعية المواد التي ينبغي إضافتها إلى الخرسانة لتقلل من مدة التصلب أو أن يطلب أحدهم مضاعفة  قطر أسياخ الحديد المستخدمة وهو يظن أن ذلك يضمن متانة المبنى فهذا مضيعة لوقته وجهده وماله ووقت وجهد ومال أخيهم مهندس المشروع  فيما لا طائل من ورائه فللبناء أسس وقواعد يجب الالتزام بها.
عليهم أن يوفروا له الوقت والمال وأن يتحملوا معه أن يناموا جميعا في غرفة واحدة في إضاءة خافتة مع فئران الشقوق حتى تكتمل باقي الغرف ويتحقق الحلم الكبير.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق