الثلاثاء، 28 يناير 2014

ربنا يستر




كم منا من قاد سيارته وهو يدري أنها غير مستكملة لجميع وسائل الأمان الواجبة فالفرامل ضعيفة واللمبات كلها محترقة والمرايا مكسورة بل وكمية الوقود لا تكفي لقطع المسافة التي ينشدها وزيت المحرك أيضا أقل من المطلوب ومع هذا فلم يثنه هذا الوضع المزري عن الانطلاق بالسيارة وهو على يقين تام أن الله سيمنع عنه المخاطر وأن "ربنا يستر" لتتوقف به السيارة المسكينة في عرض الطريق وتعطل المرور حتى يأتي الميكانيكي ليسحبها إلى الورشة ويقضي صاحبنا أياما وأسابيع بجوار مريضته العزيزة حتى تشفى ويدفع هو فاتورة علاجها آلافا من الجنيهات؟
ومن منا من لم يدخل الامتحان دون أن يذاكر جيدا وقد قرأ سورة ياسين والآيات التي فيها ذكر لكلمة العلم أو الفهم وكله إيمان بأن الله سوف يُنطق لسانه ويُحرك قلمه ليَسطُر الإجابة الصحيحة على الأسئلة فتأتي النتيجة عكس ما كان يأمل وما يتمنى ويرسب رسوبا مريعا؟
ومنا من لم يتحرك بسيارته عكس اتجاه السير وهو يدعو الله مخلصا ألا تأتي سيارة في الاتجاه الآخر الصحيح لتصطدم به ويقع الحق عليه وكله يقين أن الله سوف يستجيب لدعائه ويحميه فما يلبث أن تنتهي أحلامه نهاية مروعة عندما تنطلق سيارة مسرعة من أمامه لتهشم سيارته ويصبح عليه إصلاح كليهما؟
وكم من مهندس قرر أن يستخدم كمية أقل من الواجب من حديد التسليح أملا في أن يوفر لنفسه أو لمن وظَّفَه بضعا من الجنيهات وقد وقر في قلبه أن الله سوف يستر فعلته ويحمي بقدرته المبنى من السقوط فيوقظه صوت الهاتف ذات يوم على استدعائه للنيابة للتحقيق في مقتل العشرات جراء سقوط المبنى؟
تسنى لي ذات يوم أن أزور الشركة التي تتولى طباعة الفواتير للمؤسسة التي أعمل بها والمفترض أنها مطبعة كبيرة تقوم بإنتاج ملايين المطبوعات شهريا .. هالتني كمية احتياطات الأمان المذهلة التي تصحب جميع خطوات الإنتاج .. وكانت القمة هي مولد ضخم للكهرباء في غرفة تحت الأرض تحسبا لانقطاع التيار الكهربائي في بلد لا تنقطع في الكهرباء سوى مرة كل بضعة سنوات.
وحدث ذات يوم أن تكاسلت عن تركيب خرطوم الصرف لغسالة الملابس تركيبا محكما وقررت توفير التأمين على الأضرار المنزلية آملا أن "ربنا يستر". إلا أن الله لم يستر عندما قفز الخرطوم وأغرق أرضية الشقة وأفسد ورق الحائط وتوصيلات الكهرباء لجاري في الشقة السفلى .. ولإنه قام بالتأمين على شقته ضد الأضرار المنزلية فقد أجبرتني شركة التأمين على دفع كافة تكاليف إصلاح الأضرار التي لحقت بشقته والتي تسببت فيها .. وبما أني كنت قد قررت توفير التأمين فقد اضطررت لدفع التكاليف من جيبي الخاص .. وهكذا تعلمت أن احتياطات الأمان مكلفة دائما ولكنها واجبة وضرورية قبل أن تقع الفأس في الرأس ولا يجدي الندم وتصبح تكلفة إزالة الضرر الواقع أضعاف تكلفة احتياطات الأمان وأحيانا لا تقدر بالمال إذا تعلق الأمر بأرواح بريئة طاهرة
كم منا من قصر وتكاسل وتواكل ولم يأخذ بالأسباب آملا أن "ربنا يستر"؟
هذا هو تماما ما فعله خفير مزلقان أسيوط الذي ذهب لينام وترك المزلقان مفتوحا ساعة مرور القطار وهو أيضا ما فعله مسئول السكك الحديدية الذي ترك المزلقان نفسه دون التأمين الأوتوماتيكي المستخدم في كل أنحاء العالم  معتمدا على العامل البشري الذي يخطئ أكثر مما يصيب وأن "ربنا يستر" .. إلا أن الله سبحانه وتعالى لا يستر على مقصر ولا متكاسل ولا متواكل ولا متخاذل .. فقد حصد الفهم السقيم لهذه المقولة التي أفرغها المصريون من مضمونها النبيل هذه المرة أرواح خمسين من زهور المستقبل البريئة الطاهرة لم تجن ذنبا سوى انتماءها لهذا الزمن البائس وهذا البلد التعيس المنكوب
الأمر لم يعد ترفا وإنما أصبح واجبا حتميا .. والإهمال أصبح نوعا من الخيانة للإنسانية .. والتهاون في التعامل معه تفريط في حق أصيل من حقوق البشر وهو الحق في الحياة ..
ولا أجد أفضل من أبيات البارع تميم البرغوتي في وصف المعنى الحقيقي لموت إنسان:
مين قالك الموت طبيعي يبقى مش شايف
الموت ده شيء مش طبيعي
الموت ده اصله خلل
الأصل فينا الخلود وهاييجي يوم نلقاه
ما تحسبوش الشهيد اداكوا بس حياة
ما موتوش هو وحده اللي برصاصة رماه
ده طخ إبنه اللي لسه ما اتولدش معاه
وطخ أولاد ولاده لحد آخر الأيام
موّت معاه بشرية كاملة محتملة
عدّوا بقى فيها كام شاعر وكام رسام
وكام طبيب عبقري بين الاطبة امام
و فيلسوف له على حكم الليالي كلام
وبنت نظرتها تشفي القلب من دائُه
فيه شعب كامل رَحَل ماعرفش اسمائه
في جسم كل شهيد فيه مصر مكتملة
فخلو مصر اللي فاضلة تعيش كما شاءوا

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق